ابن أبي العز الحنفي

55

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )

الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ الْكَرِيمِ ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ » . فَقَدْ سَمَّى اللَّهُ وَرَسُولُهُ صِفَاتِ اللَّهِ عِلْمًا وَقُدْرَةً وَقُوَّةً . وَقَالَ تَعَالَى : { ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً } ( 1 ) ، { وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ } ( 2 ) ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ الْعِلْمُ كَالْعِلْمِ ، وَلَا الْقُوَّةُ كَالْقُوَّةِ ، وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ ، وَهَذَا لَازِمٌ لِجَمِيعِ الْعُقَلَاءِ . فَإِنَّ مَنْ نَفَى صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ الَّتِي وَصَفَ اللَّهُ بِهَا نَفْسَهُ ، كَالرِّضَا وَالْغَضَبِ ، وَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ التَّشْبِيهَ وَالتَّجْسِيمَ ! قِيلَ لَهُ : فَأَنْتَ تُثْبِتُ لَهُ الْإِرَادَةَ وَالْكَلَامَ وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ ، مَعَ أَنَّ مَا تُثْبِتُهُ لَهُ لَيْسَ مِثْلَ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ ، فَقُلْ فِيمَا نَفَيْتَهُ وَأَثْبَتَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِثْلَ قَوْلِكَ فِيمَا أَثْبَتَّهُ ؛ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا . فَإِنْ قَالَ : أَنَا لَا أُثْبِتُ شَيْئًا مِنَ الصِّفَاتِ ! قِيلَ لَهُ : فَأَنْتَ تُثْبِتُ لَهُ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى ، مِثْلَ : حَيٍّ ، عَلِيمٍ ، قَدِيرٍ . وَالْعَبْدُ يُسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ ، وَلَيْسَ مَا يَثْبُتُ لِلرَّبِّ مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ مُمَاثِلًا لِمَا يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ ، فَقُلْ فِي صِفَاتِهِ نَظِيرَ قَوْلِكَ فِي مُسَمَّى أَسْمَائِهِ . فَإِنْ قَالَ : وَأَنَا لَا أُثْبِتُ لَهُ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى ، بَلْ أَقُولُ : هِيَ مَجَازٌ ، وَهِيَ أَسْمَاءٌ لِبَعْضِ مُبْتَدَعَاتِهِ ، كَقَوْلِ غُلَاةِ الْبَاطِنِيَّةِ وَالْمُتَفَلْسِفَةِ ! قِيلَ لَهُ : فَلَا بُدَّ أَنْ تَعْتَقِدَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ حَقٌّ ( 3 ) قَائِمٌ بِنَفْسِهِ ، وَالْجِسْمُ مَوْجُودٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ ، وَلَيْسَ هُوَ مُمَاثِلًا لَهُ . فَإِنْ قَالَ : أَنَا لَا أُثْبِتُ شَيْئًا ، بَلْ أُنْكِرُ وُجُودَ الْوَاجِبِ . قِيلَ لَهُ : مَعْلُومٌ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّ الْمَوْجُودَ إِمَّا وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ ، وَإِمَّا غَيْرُ

--> ( 1 ) سورة الرُّومِ آية : 54 . ( 2 ) سورة يُوسُفَ آية : 68 . ( 3 ) لعله : حي